المفردون والمتن القبلي الشركي (قضايا منهجية)
لا نملك عنه
معلومات مستفيضة ومتكاملة تسعف في الوصف الموضوعي لما كان عليه العربي في أبعاده
السياسية والاجتماعية والثقافية. وكل ما تحصل لدينا اليوم مجرد شذرات أمكن جمعها
مشافهة وثم تدوينها في زمن لاحق، ونظر إليها بخلفيات معادية في الغالب؛ ما يطرح
معضلات منهجية لا يخفى أثرها السلبي على مخرجات الأبحاث التي تناولت تلك المرحلة
من تاريخ العرب، ولم تترك فرصة الانفلات من الإسقاطات الذاتية المخلة بالموضوعية
وبذلك غاب المتن في ذاته ليحل محله متن متخيل كتبه المخالف.
إن الدراسة
الكافية والكفيلة باستحضار تلك الفترة تحتاج إلى جهود جبارة سابقة يمكن اختزال
خطواتها في الجمع الوفير للمعلومات الإثنوعرافية عن حياة العربي في مجال شاسع ومتباين
تعاطى مع حضارات عريقة ومؤثرة امتدت من جنوب شرق آسيا شرقا إلى افريقيا وأوربا
غربا، ومن اليمن جنوبا إلى بلاد فارس وبلاد الرافدين والشام شمالا. بدون جمع تلك
المعلومات والمعارف الإثنوغرافية سيكون من المستحيل إعادة بناء صورة مثلى للحياة
الاجتماعية والسياسية والفكرية في مسيرتها التكوينية، وتركيبتها المعرفية التي
انتهت إليها والتي شكلت موضوعا للتحويل بالقرآن.
يفيد جهد بناء
الصورة وتتبع حركتها التكوينية في التعرف عن قرب على غايات المتن التاسيسي من جهة
وتطور منهج الدعوة وخطابها المطرد، كما يفيد دراسة مدى ومستويات "التحويل"
بالقرآن للتجمع العربي في الفترات اللاحقة للتأسيس. فبدون الوقوف على نبض ذلك
المتن القبلي الشركي، نبضه الباطني والخارجي، أو قل إيقاعه النفسي-الاجتماعي يظل "المتن
التأسيسي" بشقيه، القرآن والنبوة،معلقا خارج السياق الذي استدعاه، ويبقى
النظر إليه معتما يسيء إلى تنزيله في سياقات مباينة لتلك التي استدعته. كما يفيد تركيب
صورة ذلك المتن، فضلا عما سلف، والنظر إلى حركته التكوينية، في تبين مفاهيم عديدة استعملها
النص التأسيسي لم يعد من اليسير إدراكها الإدراك السليم في الفترات اللاحقة
وانتشار الدعوة في بلاد وحضارات أخرى لا قبل لها بأساليب الحياة في جزيرة العرب.
يمكن جمع
ملامح تلك الصورة وترتيبها وتصنيفها وردها إلى سياقاتها الفكرية والاجتماعية
والسياسية مما وصلنا مجزوءا في مدونات الشعر والأخبار والأحاديث. كما يمكن لجمع
تلك الحقائق الإثنوغرافية أن يتساوق مع بحث أصولها على طرائق الإثنولوجيين و طرائق "الفكر المقارن".
من شأن هذا الجهد الإضافي أن يخلصنا بالقدر اللازم من الانحيازات ويسمح بتقليص
نطاق الذاتية التي تتسم بها النقول التي وصلتنا وتسمح بالتقاط الهواش العرضية التي
لم يفطن إلى طمسها الإخباري والمحدث والمفسر ولم يكن بإمكانه تفاديها، وتشمل
المفاهيم والعقائد والأعراف والعادات والتقاليد وطبائع العلائق والمواقف الإنسانية
وأحوال العمران والصنائع والخبرات الإعتيادية وغير ذلك مما يمنح صورة عن الحياة
الفكرية والدينية والسياسية والاجتماعية والجمالية أيضا.
يمكننا
مثل ذلك الجهد الإضافي إلى المتن القبلي الشركي من التجرد من النظر بمنظور
القرآن ويسمح بالنظر إليه في ذاته، وهذا التوجه كفيل، كتوجه منهجي، بالكشف عن أصول
العناصر العقدية التي تتجاوز المجال العربي الصرف إلى الإمتدادات الأسطورية
الموغلة في القدم؛ تلك المنتسبة إلى جنوب شرق آسيا والشرق الأدنى ومصر ثم لاحقا
ثأثيرات الثقافة الهلينية. كما يمكننا، علاوة على ذلك، من التعرف على دينامية
العناصر العقدية ودورها في بناء المخيال العربي الذي شكل الهدف الاساس في عملية
التحويل بالقرآن.
تلكم بعض من الاقتراحات بمثابة خطوة نراها ضرورية من أجل جمع شتات صورة المتن القبلي الشركي؛ جمع هو الشرط الأساس، للتعرف على حالة ذهنية استدعت دعوة التحول إلى نمط جديد من الحياة الفكرية والسياسة والاجتماعية تسمى "الإسلام".
تلكم بعض من الاقتراحات بمثابة خطوة نراها ضرورية من أجل جمع شتات صورة المتن القبلي الشركي؛ جمع هو الشرط الأساس، للتعرف على حالة ذهنية استدعت دعوة التحول إلى نمط جديد من الحياة الفكرية والسياسة والاجتماعية تسمى "الإسلام".