الاثنين، 31 أكتوبر 2016

البيان7



المفردون والمتن القبلي الشركي



       نصطلح ب"المتن القبلي الشركي" على مجموع نتاج المخيال العربي الرمزي والمادي, ويشمل تصوارته للوجود "الطبيعي" والاجتماعي وللفرد كذلك، علاوة على كل أشكال التعبيرات الجمالية عن تلك التصورات. فهو إذا صورة الحياة العربية قبل القرآن بأبعادها الفكرية والسياسية والاجتماعية.


    تطرح مسألة إعادة رسم صورة ذلك المتن في ديناميته مشاكل منهجية لا يستهان بها. فقد انتقل بالرواية شذرات عن طريق المشافهة لا رابط بينها يسمح بتكوين صورة متكاملة، ولم يتم تدوينه إلا في مراحل لاحقة بعد وفاة النبي بعقود، وفي ظروف تميزت بالفتن والتنازع استعملت فيه النصوص تبريرات للمشروعيات المتنازعة، ما يطرح صعوبات فرزها وسؤال مصداقيتها.

    ويأتي عامل الإلحاح على العودة إلى رسم صورة، متكاملة قدر الإمكان، لحياة الإنسان العربي قبل القرآن بكل تفاصيلها لمعرفة القوى العاملة في بيئته، ولتعميق الفهم لظاهرة التلقي المتنوع للدعوة المحمدية، ودرجات الاستجابة وأسبابها لدى الفئات المكونة لمجتمع القبيلة آنذاك. كل هذا كشرط من شروط التأويل الجيد للقرآن وفهم أسباب التفكك بعد وفاة النبي، بدءأ بمشكل الخلافة وانتهاء بحروب الردة، وكشرط ايضا لقياس درجات التحول من طور ثقافة القبيلة إلى طورثقافة الأمة وقياس مدى تحقق مقاصد القرآن خلال فترة البناء الحضاري لما سيسمى "أمة الإسلام".

    لقد آن الأوان للعودة إلى رسم ملامح الحياة الشاملة لتلك الفترة السابقة قبل القرآن من خلال ما تراكم من ثرات لم يعمل السابقون سوى على تدوينه في فترة أولى، ثم عكفوا عليه بالدرس والتفسير قصد استعماله في استنباط احكام الشريعة والعقيدة وقواعد الأخلاق، ولم يتجاوزوا هذا الهم، أي الدراسة الاجتماعية لسبر أغوار القوانين الاجتماعية-النفسية التي حكمت التلقي والاستجابة لدى المخاطب بالقرآن، وفهم الأسباب الكامنة خلف النكوص والتوقف عن إبداع النموذج القرآني في الحكم والمجتمع والثقافة.

    نرجع أسباب القصور في كل ذلك إلى كون المناهج تستند إلى علوم. ولقد ابتدع الأولون علوما كانت لهم بمثابة الآلة التي اشتغلوا بها، كعلوم اللغة لدراسة النصوص وتفسيرها، وعلوم الحديث لتمحيص النص الحديثي رواية ودراية، واستفادوا من المنطق لوضع قواعد علم أصول الفقه والعقائد. وبكل ذلك لم يتجاوزوا التفسير وتأصيل الأحكام. أما وقد استجدت علوم أخرى في عصرنا لم تتوفر للأسلاف، فحري بنا أن نتجاوز النص لذاته وفي ذاته لبناء التفسيرأو التأويل ووضع الأحكام، إلى النص لغير ذاته أي  لدراسة المجتمعات العربية لما قبل القرآن وبغايات فهم الخطاب القرآني، وفهم ظاهرة التلقي والاستجابة و ظواهر الردة والفتن في المراحل اللاحقة. بكلمة واحدة تأسيس "علم اجتماع الإسلام" في شقه القبلي العربي.

    هذه دعوة طموحة من شأنها أن تنتهي إلى نتائج تفيد تجديد الخطاب الديني، هذا التجديد الذي بات ضرورة ملحة في عصرنا تحت ضغوط ما يسمى "التطرف" و"الإرهاب". فمطلوب التجديد إذا يستدعي استعمال النص لرسم ملامح الحياة القبلية في ديناميتها بكل أبعادها الاجتماعية-الثقافية مقابل استعمال النص لذاته لاستنباط الاحكام وقواعد الأخلاق. هذه بالضبط مهمة علماء التاريخ وعلماء الاجتماع وعلماء الثقافات مجتمعين.

الأحد، 16 أكتوبر 2016

البيان رقم6



المفردون والسنة


     السنة النبوية مرجع المسلمين بعد القرآن يُستدل بها على الأحوال والمواقف، وعلى الأحكام في العقائد العبادات. غير أن الغالب عند أهل التسنن التقليد في الإتباع وعدم التمييز بين ماهو خاص بالنبي وما هو عام يشمل الناس، ما هو دائم وما يعفو عنه الزمن، فضلا عن الانصراف عن بدل الجهد لمعرفة مقاصد السنن ووظائفها؛ ذلك لإحسان التنزيل إن تعلق الأمر بخاصة النفس أوبعموم المجتمع

 ويرى المفردون السنة     

_  فعل النبي مع المداومة، وقوله في الشعائر والعادة، وإقراراته كلاما وإمساكا
_  تفصيل لمجمل في القرآن
_ غير ملزمة للمكلف ما لم يرد بالتكليف أمر صحيح صريح
_  جزء من السيرة تواتر الحديث عنها في المدينة خلاف فترة مكة تواترت عنها أخبار السيرة
_ أقوالها وأعمالها متوازية بالموافقة أحيانا وبالمخالفة أحيانا مع شريعة التلمود (قد كان اليهود في شبه جزيرة العرب "هلاخيون" لهم صلوات ملزمة في سائر أحوالهم الفردية والجماعية كالمأكل والمشرب والملبس والطهارة والفرائض والأنكحة وغيرها مما ينتظم به الحال الفردي والجماعي في الحضر والسفر)
_ استجابة حدسية لملء الفراغ الناتج عن مفارقة المشركين لشركهم بعباداته وبشعائره  وقد كان الأوس والخزرج معايشين لليهود في المدينة متأثرين بهم اشد ما يكون التأثر
_ لم ينزل بها ملاك ولم يخاطب بها المكلف فهي غير ملزمة
_ ربط القلب في مناسبات مختلفة بإله مجرد عن طريق جارحة اللسان ونوافل العبادات
_ السنة مواطنها وأفعالها ضرورية لجمع القلب بالفعل أو قل هي الحصر الواعي للأفعال في الزمان والمكان. فهي حال انجماع مخالف لحال التشظي  بإضفاء القصدية على الأفعال عبادات كانت أو معاملات بعُدة الدعاء والنوافل والتطوع بالصدقات
_ سلوك لاستشعار المعية بأداة الذكر
_ بدونها يستحيل على المشرك مفارقة الشرك فهي له علم وعمل بديل
_ السنة كان الصحابة متواطئين على تسميتها "العلم" خلاف القرآن "كلام الله" وكلاهما موقر غير مقدس
_ السنة يحدث فيها النسخ بدليل السنة
_ السنة من أعمالها ما لايلزم إلا النبي
_ السنة كالقرآن تكوينية لم ترد دفعة واحدة عملت على تكوينها عوامل التفاعل في بيئتي الشرك واليهودية
_ السنة مصدر أخبارها الصحابة وأزواج النبي ولم تجمع تلك الأخبار إلا لاحقا لضرورات فقهية وسياسية وهي ليست على درجة واحدة من الصحة والضبط
_ السنة النظر فيها ليس كالنظر في القرآن إذ تستوجب معرفة بالرواية ومعرفة بقواعد الدراية لاختلاط الصحيح بالسقيم. فمنهج النظر فيها منهج المؤرخ الناظر في الرواية بالجرح والتعديل المتعلق بالرجال، ومنهج الناقد الناظر بالدراية المتعلق بالمتن، وكلاهما يحتاج إلى علوم الآلة
_ السنة دليل جمع "الاسلام" و "الإيمان" و "الإحسان" فهي سبيل التدين الأمثل
_ السنة دليل بشرية محمد يعرض له ما يعرض لغيره إذ لا اقتداء بغيلر كائن بشري
_ السنة مرجع لفهم ظاهرة "النبوءة" كحالة بشرية اقتضت تصريف "المثال" بتنزيله من من عالم "المُثل" إلى عالم الشهادة، من حال القول إلى حال الفعل
_ السنة أداة التعالي والتسامي فوق الأهواء بقصد موافقة مبدإ العدل في التجمع البشري
_ السنة مُلازمة استحضار غاية الوجود الفردي والجماعي واسلوب لقهر اغتراب الفرد عن الجماعة
_ السنة معرفة الكيفيات لتصريف العبادات في العلاقة بالله، وتصريف خلق المعاملات في العلاقة بالقريب والبعيد والمؤتلف والمختلف
_ السنة نموذج قيادي لأمة تسعى إلى الارتقاء فوق الولاءات الجزئية قبلية أو طائفية أو مذهبية
_ السنة هدي المجتهد المفارق للتقليد وهدي المجاهد المتحرر من الخوف
_ السنة نموذج تصريف شريعة الرسالة بالنسبة للمكلف في الشأن الخاص والعام

     تلكم بعض ما استنبطناه خلال تأملنا للسنة من مقاصد ووظائف نوردها عسى أن تكون عناوين لموضوعات كبرى. نرجو أن تستحق الوقوف عندها باهتمام بالغ والنظر فيها بتوسع يفيد تجديد خطابنا عن الدين  

السبت، 15 أكتوبر 2016

البيان5

المفردون والسيرة 

    ينظر المسلمون إلى السيرة النبوية كمَعلم مرجعي يُقتدى به في الأحوال والمواقف لا يستغنى عنه. وقليل منهم يميز بين السيرة والسنة من حيث الاصطلاح؛ لتقلص مساحات العلم بالثرات في النفوس. وقليل منهم يعتبر بالسياق للاستدلال على الاحكام؛ لسيطرة التقليد والركون الى الفتاوى وانحباس طرائق الاجتهاد.


========


    من جهتنا ننظر إلى السيرة على أنها إخبار جمعه الإخباريون والمحدثون :



    _ تناول حياة النبي من المولد إلى الوفاة واستوعبت السنة، فهي شاملة لأفعاله، في

 خاصة نفسه وعلاقته بالناس، وعلاقته بربه

    _ وهي سير صاعد تميز بفترتين اثنتين الأولى قبل الاستخلاص والثانية بعد 

الاستخلاص، والأولى اعداد لما بعدها تميزت بالإعداد الخلقي 

    _ وهي أيضا سير صاعد تميز بفترتين الأولى مكية تميزت بالدعوة المتدرجة 

واجهت "الكل الثقافي الشركي" بالمُسالمة، والثانية مدنية واجهت "الكل الثقافي الشركي 

والكتابي" بالمحاربة

    _ السيرة في فترتها المكية الدعوة فيها فردية وفي فترتها الثانية جماعية

    _ السيرة في فترتها الأولى سلمية لسلميتها أسباب وفي فترتها المدنية جهادية لجهاديتها 

أسباب

    _ السيرة في فترتها الأولى ميزتها انتفاء "الهوية الأسرية" لعامل اليتم ما زكى 

الانتماء إلى "كل اجتماعي"

    _ السيرة في فترتها الأولى ميزتها الفقر في سياق الغنى فيه مدعاة الأنانية وحب 

الرياسة

    _ السيرة في فترتها الأولى "اغتراب" دل عليه الاعتزال والتأمل

    _ السيرة في فترتها الأولى الدعوة فيها فردية للأقربين ثم للناس عامة، مشركين بالجدال 

بقصد التحويل وكتابيين بالتذكير بقصد التأليف

    _ السيرة في فترتها الثانية الدعوة فيها باستعمال السيف لرفع ظلم واقع من جهة 

المشركين

    _ السيرة في فترتها الثانية الدعوة فيها باستعمال السيف لحصار مكة كخطة استراتيجية

    _ السيرة في فترتها الثانية الدعوة فيها باستعمال السيف في غزوات القبائل خطط

تكتيكية لتجفيف منابع المد البشري ومحاصرة طرق التجارة والحيلولة دونها وقريش

    _ السيرة في فترتها الثانية الدعوة فيها جعلت الأمة مهاجرين وأنصار و يهود

    _ السيرة في فترتها الثانية أجلت "بنو قينقاع" عن المدينة إلى الشام لفتنة اقترفوها وأعدمت طبقا لعرف عربي "قريضة" و"بنو النضير" لخيانة اقترفوها

    _ السيرة في فترتها الثانية الدعوة فيها ما كان لها لتنهي الوجود اليهودي في المدينة 

لولا تهديدهم للسلم الاجتماعي ولتحالفهم مع قريش

    _ السيرة في فترتها الثانية الدعوة فيها لم تنل بشر من يهود خيبر لبعد الديار ولم 

يهددوا السلم الاجتماعي ولم يحالفوا قريشا في حربهم على جماعة محمد

    _ السيرة في فترتها الثانية الدعوة فيها رأت في اليهود غرباء عن بلاد العرب 

فخيرتهم بين الإيمان بالقرآن أو الجلاء إلى بلاد الشام

    _ السيرة في فترتها الثانية الدعوة فيها اعتبرت سقوط مكة ودخول الناس في دين 

الله أفواجا اكتمالا للدين

    _ السيرة في فترتها الثانية الدعوة فيها قصرت جهادها على بلاد العرب بالإلزام ولم

تنص على التجاوز، ودعت غير العرب بغير إلزام

    _ السيرة في فترتها الثانية أخبارها دلت على خلط الناس بين النبوءة والملك وأن استجابتهم للدعوة كان في العموم بهاجس "عرض الدنيا"

    _ السيرة في فترتها الثانية دلت أخبارها على التمييز بين صفات النبوة وصفات 

"البشرية" في شخصية محمد

    _ السيرة في عمومها دلت أخبارها على جدلية القرآن وواقع حياة العرب 

ومستلزمات الدعوة

    _ السيرة أخبارها دلت على معرفة المستجيبين بالفرق بين الأمر الإلهي والأمر 

النبوي و رأي محمد

    _ السيرة أخبارها دلت على تلازم العقيدة والعبادة والسياسة ودلت على ضرورة 

السياسة لحفظ الدين ودلت على اجتماع القيادة الدينية والقيادة السياسية دون انفصام

    _ السيرة دلت أخبارها أن أداة القيادة الدينية هي الوحي وأداة القيادة السياسية هي 

المشورة

    _ السيرة أخبارها دلت على أن "شريعة نساء النبي" اقتضاها ظرف اجتماعي مثله 

تحرش "المنافقين" بالنبوة بقصد النيل منها، ودلت على أن "شريعة بنات النبي ونساء 

المومنين" اقتضاها ايضا ظرف اجتماعي مثله تحرش " المنافقين والذين في قلوبهم 

مرض" تحرشا جنسيا

    _ السيرة أخبارها دلت على أن الاجتماع في المسجد يتجاوز الوظيفة الدينية إلى 

الوظيفة السياسية والاجتماعية

    _ السيرة أخبارها دلت على أن الأخوة في الدين أولى من الأخوة في النسب

    _ السيرة أخبارها دلت على أن الرجال والنساء سواء في الحقوق والواجبات الدينية 

والسياسية والاجتماعية إلا ما امتنع لعامل الطبيعة

    _ السيرة دلت أخبارها على واجب نقل القرآن من دائرة القول إلى دائرة الفعل 

والتميز بخاصية الجمع بين هم الفرد في "فرديته" وهم الجماعة في حاجاتها الحيوية


==========

   
    هذه بعض تأملاتنا في السيرة نطرحها على عجل عسى أن يتفاعل معها الإخوة 

بالمناقشة والتنقيح والإضافة كي تستوي ليحتويها سفر خاص بالقضايا التي تطرحها 

السيرة النبوية.