المفردون والمتن القبلي الشركي
نصطلح ب"المتن القبلي الشركي" على
مجموع نتاج المخيال العربي الرمزي والمادي, ويشمل تصوارته للوجود
"الطبيعي" والاجتماعي وللفرد كذلك، علاوة على كل أشكال التعبيرات
الجمالية عن تلك التصورات. فهو إذا صورة الحياة العربية قبل القرآن بأبعادها
الفكرية والسياسية والاجتماعية.
تطرح مسألة إعادة رسم صورة ذلك المتن في ديناميته مشاكل منهجية لا يستهان
بها. فقد انتقل بالرواية شذرات عن طريق المشافهة لا رابط بينها يسمح بتكوين صورة
متكاملة، ولم يتم تدوينه إلا في مراحل لاحقة بعد وفاة النبي بعقود، وفي ظروف تميزت
بالفتن والتنازع استعملت فيه النصوص تبريرات للمشروعيات المتنازعة، ما يطرح صعوبات
فرزها وسؤال مصداقيتها.
ويأتي عامل الإلحاح على العودة إلى رسم صورة، متكاملة قدر الإمكان، لحياة
الإنسان العربي قبل القرآن بكل تفاصيلها لمعرفة القوى العاملة في بيئته، ولتعميق
الفهم لظاهرة التلقي المتنوع للدعوة المحمدية، ودرجات الاستجابة وأسبابها لدى
الفئات المكونة لمجتمع القبيلة آنذاك. كل هذا كشرط من شروط التأويل الجيد للقرآن
وفهم أسباب التفكك بعد وفاة النبي، بدءأ بمشكل الخلافة وانتهاء بحروب الردة، وكشرط
ايضا لقياس درجات التحول من طور ثقافة القبيلة إلى طورثقافة الأمة وقياس مدى تحقق
مقاصد القرآن خلال فترة البناء الحضاري لما سيسمى "أمة الإسلام".
لقد آن الأوان للعودة إلى رسم ملامح الحياة الشاملة لتلك الفترة السابقة
قبل القرآن من خلال ما تراكم من ثرات لم يعمل السابقون سوى على تدوينه في فترة
أولى، ثم عكفوا عليه بالدرس والتفسير قصد استعماله في استنباط احكام الشريعة
والعقيدة وقواعد الأخلاق، ولم يتجاوزوا هذا الهم، أي الدراسة الاجتماعية لسبر
أغوار القوانين الاجتماعية-النفسية التي حكمت التلقي والاستجابة لدى المخاطب
بالقرآن، وفهم الأسباب الكامنة خلف النكوص والتوقف عن إبداع النموذج القرآني في
الحكم والمجتمع والثقافة.
نرجع أسباب القصور في كل ذلك إلى كون المناهج تستند إلى علوم. ولقد ابتدع
الأولون علوما كانت لهم بمثابة الآلة التي اشتغلوا بها، كعلوم اللغة لدراسة النصوص
وتفسيرها، وعلوم الحديث لتمحيص النص الحديثي رواية ودراية، واستفادوا من المنطق
لوضع قواعد علم أصول الفقه والعقائد. وبكل ذلك لم يتجاوزوا التفسير وتأصيل الأحكام.
أما وقد استجدت علوم أخرى في عصرنا لم تتوفر للأسلاف، فحري بنا أن نتجاوز النص
لذاته وفي ذاته لبناء التفسيرأو التأويل ووضع الأحكام، إلى النص لغير ذاته
أي لدراسة المجتمعات العربية لما قبل
القرآن وبغايات فهم الخطاب القرآني، وفهم ظاهرة التلقي والاستجابة و ظواهر الردة
والفتن في المراحل اللاحقة. بكلمة واحدة تأسيس "علم اجتماع الإسلام" في
شقه القبلي العربي.
هذه دعوة طموحة من شأنها أن تنتهي إلى نتائج تفيد تجديد الخطاب الديني، هذا
التجديد الذي بات ضرورة ملحة في عصرنا تحت ضغوط ما يسمى "التطرف"
و"الإرهاب". فمطلوب التجديد إذا يستدعي استعمال النص لرسم ملامح الحياة
القبلية في ديناميتها بكل أبعادها الاجتماعية-الثقافية مقابل استعمال النص لذاته
لاستنباط الاحكام وقواعد الأخلاق. هذه بالضبط مهمة علماء التاريخ وعلماء الاجتماع
وعلماء الثقافات مجتمعين.